الأحد، 17 أغسطس 2008

الحاجة سكر عظمة على عظمة يا ست

كثيرة هي المرات التي يصدق فيها حدسي تجاه الرحلة ، وكأن هناك بعض المؤشرات من البداية كما في أحد أفلام الرعب الشهيرة ، حيث ترى البطلة بعض المؤشرات التي تدل على وقوع الحادث الرهيب ، فتتنبأ به وتغادر و تنجو ، كنت أحدث نفسي بذلك ، و قد قررت العودة إلى المنزل بالترام الزرقاء بدلا من التاكسي ، تاكسيات الإسكندرية أصبحت عبارة عن هياكل معدنية صدئة ومهترئة ، مقبض النافذة الدوار مخلوع أو مكسور فلا تتمكن من فتح أو غلق النافذة ، السائقين أنفسهم كأنهم في سباق محموم مع الآخر ، سواء كان سيارة أخرى أو إشارة ضوئية أو خصم متخيل يحول الرحلة إلى ما يشبه ركوب قطار الموت في مدينة الملاهي ، درجة الرطوبة عالية والزحام شديد فالغزو الصيفي في أوجه خاصة أن اقتراب رمضان جعل الجميع يهرع إلى الإسكندرية في نفس الوقت تقريبا فلم تعد تجد موطئا لقدم أو حتى ذراع ، ركبت الترام من محطة الرمل أول الخط ، لأضمن الحصول على مقعد شاغر وياسلام لو كان بجوار النافذة ، حصلت على مبتغاي ، أردت تأمل الميدان من النافذة ، و أنا أتذكر رحلتي الأخيرة بالطائرة إلى الإسكندرية، وقد قررت الكتابة عنها فورا بعنوان " كيفية السفر مع مصر للطيران " ، لمحت شخصا يقف بجوار عربة النساء التي أركبها ويرسل نظراته نحو من فيها فأشحت بوجهي للداخل أتأمل الراكبات ، بترددي المعتاد ظلت تلح علي فكرة النزول من الترام والذهاب لطبيب الأسنان القريب ، لينقذ ما يمكن إنقاذه ،لكنني خشيت من السير وحدي في وجود ذلك المتربص في الطريق . لماذا التردد ؟!، لماذا أظل دائما متأرجحة بين فكرتين تلحان بنفس القدر من الضراوة دون القدرة على الاختيار والتنفيذ ، كنت بداخلي أتمنى أن تتحرك الترام حتى تريحني من عناء الاختيار الصعب حين التقت عينانا ، سيدة تجلس في المقعد المقابل لي تماما ، عجوز في أوائل الستينات تقريبا ، بعباءة سوداء وإيشارب أبيض معقود من الأمام على صدرها ، وابتسامة تملأ الوجه كله ، نظراتها التي توزعها بين الجميع ، شفتاها المنفرجتان المتأهبتان للحديث فورا ، كل هذا جعلني أنتبه لها وأطلق أفكاري نحوها ، صاحت سيدة في مقدمة الترام تنهر الرجل المتطلع بالخارج " الراجل المجنون واقف وفاتح ...... "
ردت عليها سيدة أخرى " معلش يا أختي أكيد مجنون .. ماهو ما فيش حد عاقل يعمل كده .
الشفتان المنفرجتان المتأهبتان شرعتا في الحركة فورا وكان أحدا ضغط على زر الإطلاق " معلش الدنيا اتغيرت ، الناس ماكانتش كده ، كانوا حلوين مع بعض كده وطيبين ، مسكين ربنا يهدي العاصي "
أشارت سيدة بالخمار التقليدي وقسمات التعب المعتادة لابنتها المراهقة كي تجلس ، فردت الفتاة بأنها تفضل الوقوف هربا من الحر ، مصمصت الأم بشفتيها وقالت دون توجيه الكلام لشخص بعينه " إمتى أجوزك وأرتاح منك . كان هذا مؤشرا جديدا للعجوز كي تتكلم بلا انقطاع بابتسامة حلوة ونظرات موزعة بين الجميع بالتساوي صحبتها تربيتات بكفها على الأكتاف والأفخاذ المنتشرة حولها
" فكرك يا أختي لما نجوزوهم حنرتاح منهم ، حنفضل برضه شايلين همهم وهم عيالهم "

كان المحصل قد بدأ في توزيع التذاكر ، الفتاة الجالسة بجواري أعطته عشرة جنيهات كاملة فأخبرها أنه سيكمل تحصيل النقود ثم يعود لها بالباقي ، قبل أن ترد الفتاة ردت العجوز المتكلمة " ماشي يا خويا " كنت مازلت خائفة من المتحرش خارج الترام أخشى أن يمد يده من النافذة تجاهي ، وقد أصبحت فكرة النزول وركوب التاكسي أكثر أمانا ، مرة أخرى أتمنى أن تتحرك الترام بسرعة ، أعرف أنني لن أتخذ القرار بالمغادرة ولن أنفذه . بينما العجوز تكمل الحديث والحكي وقد استطاعت أن تصنع من نفسها مركزا للاهتمام ، " عندي صابر ومنى ولادي ، ماعنديش تليفون عادي بس ابني جابلي البتاع الصغير دا مش عارفة أقول اسمه وعلمني أستعمله رقم 2 ابنك وتلاتة بنتك ، والنبي ابني صابر دا طيب ومافيش زيه ، مافيش حد عندنا اسمه صابر ، وأنا بأولده في مستشفى الولادة دي مش عارفة أقول اسمها "ماترنيه " الممرضة قالت لي على اسم جده قلت لها لأ صابر عشان يبقى راضي ويرضى بنصيبه والنبي يا ختي الرضا حلو ، وهو حنين وطيب ، لما يجيلي كده يلاقيني مشغلة أم كلثوم وبأسمعها يقول لي وليه الهم بس ، أقوله هم إيه دي أم كلثوم دا اللي ماسمعش غناها يبقى لا حب ولا عرف طعم الحب ، يقوللي يعني والحب كان عاملك إيه ، قصده على أبوه يعني ، منه لله بقى الله يسامحه أقول له الحب عمل لي أحلى حاجة ولادي صابر ومنى ، ما أنا لما جيت أتجوز قلت أنا مش عايزة فرح ، أنا عايزة أحضر حفلة الست أم كلثوم ، ماهي كانت بتعمل حفلتين حفلة في القاهرة متذاعة وحفلة تانية هنا في " الهمبرة" مش متذاعة وأنا رحت بقى أحضر حفلة الهمبرة وإيه متشيكة على الآخر ، وبعدين لقيت لواءات وناس عظام _ ما عظيم إلا الله _ وستات حلوة بالفريرات أنا كمان كنت متشيكة قعدت أسمع بقى وهي الست تغني وتعيد ما هي كانت دايما تعيد والناس بتسقف جامد جامد وبعدين شاورت بمنديلها كده راحت الموسيقى كلها سكتت وقعد يعزف لوحده عبده صالح على القانون ، عزفه كان حلو قوي والناس كل شوية تطلب منه يعيد ، وأنا بقى بحب أسمع أم كلثوم لحد دلوقت ، وأطلع كده من الشباك أبص على العيال اللي بيلعبوا وأرش ميه ، وأنادي على الجيران اللي حواليا وأقولهم ما بتسألوش عليا ليه يا غجر يقولوا ما إحنا سامعين حسك و مطمنين عليك ، يا اختي الفرحان كتير الأيام دي ، أفراح كده في كل حتة ، رمضان جي والعيد خير وبركة بس مش زي زمان ، ولمة زمان ، وأفراح المسيحيين ما أنا جيراني مسحيين كتير وكنا بنزور بعض ياختي ونروح ونيجي ماحدش بيزعل التاني ما الرسول قال لكم دينكم وليا ديني ، أنا ساكنة في "الجواهر " بس رايحة "باكوس " أزور واحدة حبيبتي ، تقول لي يا أم صابر مش تقولي إنك جاية عشان نعمل حسابنا أقول لها يا أختي أي حاجة أي أكلة هنية ، والنبي الأكل زمان كان فيه بركة كنا لما نعمل أكلة حلوة كد نقول ياترى مين يجي يأكل معانا مش دلوقت يا أختي اللي بقوا بيخبوا الفلافل . .......
أقولكم على اسمي الحقيقي والنبي أنا اسمي حلو ... اسمي حلو قوي ومدلع نفسه
.. " سكر " .. أصلي كنت آخر العنقود فسموني سكر .
كنت قد نسيت المتحرش تماما وتمنيت في لحظة أن تستمر رحلة الترام إلى ما لانهاية مع الحاجة " سكر " التي بددت الحر والرطوبة وأزاحت القلق بقدرتها على إدخال الجميع في عالمها الخاص ، طريقتها للتغلب على الوحدة والشيخوخة وحتى الذكريات السيئة عن زوجها الراحل ، كان اختيار الترام موفقا تماما رغم أنني لم أمارس هوايتي المفضلة في القراءة أو متابعة الطريق واللافتات والعمارات القديمة ، وأماكن الذكريات ، وترتيب سيناريو رحلة الطائرة حتى وجدت نفسي مضطرة للنزول مودعة سكر ومحتفظة بروحها الحلوة داخلي ، بينما هي تكمل حديثها الحلو دون أن تكترث لنزولي فستجد حتما بديلا تكمل معه الحوار، تخيلتها تتحدث حتى والترام كلها فارغة ، ربما توجه الحديث للسائق أو المحصل ، لكنها ستكمل وتروي وتتذكر وتبتسم .

جيهان عبد العزيز
الإسكندرية 11/8/2008




هناك 4 تعليقات:

محمد عبدالجليل يقول...

مركز ضحايا لحقوق الانسان بالاسكندرية يهيب بكل الناشطين والاعلاميين والصحفيين ولجان حقوق الانسان للمشاركة فى المؤتمر الصحفى الحاشد من وراء اغلاق مدرسة الجزيرة بالاسكندرية جريمة تشريد الف تلميذ بالاسكندرية باغلاق مدرستهم فى اول ايام الدراسة وذلك يوم الجمعة الموافق 19/9/2008 فى تمام الساعة التاسعة مساءا بنادى المحامين - كورنيش جليم - الاسكندرية

Hapy يقول...

عودا حميدا يا صديقة
كلاي كافيه مفتقدك

هبه

Hapy يقول...

كيفك يا صديقة
اتمنى تكوني بخير

مدونتك مش بتفتح عندي مش عارفة اوصللك برابط مباشر

مفتقداك

Tadwina يقول...

مرحباً
لقد قام أحد المعجبين بمدونتك بإضافتها إلى تدوينة دوت كوم، بيت المدونات العربية.

قام فريق المحررين بمراجعة مدونتك و تصنيفها و تحرير بياناتها، حتى يتمكن زوار الموقع و محركات البحث من إيجادها و متابعتها.
يمكنك متابعة مدونتك على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com/feed/61

يمكنك متابعة باقى مدونات تدوينة دوت كوم على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com

لعمل أى تغييرات فى بيانات مدونتك أو لإقتراح مدونات أخرى لا تتردد فى الإتصال بنا من خلال الموقع.

و لكم جزيل الشكر،

فريق عمل تدوينة دوت كوم.
http://www.tadwina.com